الاعتداءات والابعاد للأسرى مسؤولية من؟
حسن عبدربه
"يما انا روحت" عبارة قالها احد الاسرى المحررين مؤخرا عندما وصل الى قبر والدته ، وآخرين كثيرين قالوا " لقد ولدنا من جديد" هذه المشاعر الحقيقية تأتي تعبير حقيقي عن حجم المشاعر العميقة لهؤلاء المحررين الذي تنسموا عبق الحرية بعد قضاء عشرات السنوات قسرا خلف قضبان سجون الاحتلال ، ورغم الثمن الكبير جدا الذي دفعه شعبنا للوصول لهذه الفرحة الممزوجة بالألم والوجع على فقدان اكثر من 55 الف شهيد ومفقود ونحو 120 ألف جريح وتدمير عشرات آلاف المنازل والمباني والمنشآت والمؤسسات من مدارس ومستشفيات وجامعات وتهجير قسري بنزوح اكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني لمرات عديدة .
مشاهد الفرحة لم تكن في أبهى صورها المأمولة كما اعتاد عليها شعبنا في إكرام وتقدير اسراه المحررين نتيجة ذلك ، وأيضا كان هناك العديد من العوامل التي قيدت مساحة الفرح والأمل أو الاحتفال بالمحررين ، ولعل من تلك العوامل والأسباب تلك القيود التحذيرات والتهديد والوعيد الذي وجهته مخابرات الاحتلال لهؤلاء المحررين قبيل الافراج عنهم وما واكبه من إجراءات تنكيلية بالضرب والاعتداءات الجسدية والمعنوية على الأسرى استمرت حتى اللحظات الأخيرة ما قبل صعودهم في حافلات الصليب الأحمر، إذ تم الاعتداء عليهم بالضرب المبرح داخل معتقل عوفر وخلال عملية تجميعهم ونقلهم من معتقلات أخرى، واكثر من ذلك حلاقة الرأس والذقن للعديد منهم بهدف الاذل والمس بكرامتهم، وغير ذلك من اقتحام منازل العديد من ذويهم والاعتداء والتنكيل بهم وتحذيرهم بالإضافة لمنع ذوي من تم ابعادهم قسرا بموجب اتفاقية التبادل من السفر واعتقال بعضهم، خاصة وان مبدأ الابعاد بحد ذاته يخالف حقوق الانسان والقوانين الدولية.
والمتابع يلاحظ ان سلطات الاحتلال الإسرائيلي أقدمت على شن المزيد من حملات الدهم والاعتقالات وطالت قرابة 200 مواطن منذ بدء عملية التبادل، مع تأكيدنا على ان مسألة القبول بمبدأ الابعاد خلال المفاوضات يشكل مدخلا لتشريع هذه السياسة الاحتلالية التي اكتوى بنارها آلاف الفلسطينيين ليس فقط كونها انتهاك لحقوق الانسان والاتفاقيات الدولية فحسب وانما لما تمثله من إقتلاع وتشتيت للمبعدين واسرهم وعائلاتهم والآثار الاجتماعية المترتبة على ذلك خاصة وان هؤلاء الاسرى قد تم اعتقالهم من منازلهم وأماكن سكناهم داخل الوطن وحتى أولئك المحررين المعاد اعتقالهم من صفقة شاليط بعد الافراج عنهم عادوا للوطن وللأسف اليوم يقفون على عتبة الابعاد والاقتلاع خارج الوطن، ألم يكن من الأجدر بمن فاوض التمترس والتمسك بحق هؤلاء بالعودة لمنازلهم!
ان مجمل تلك الممارسات والإجراءات التنكيلية بحق الحركة الاسيرة لا تزال تمثل كابوس ومآسي مستمرة بسبب سياسات إدارة سجون الاحتلال والتي أدت الى استشهاد 56 أسيرا ووقف الزيارات العائلية واغلاق الكانتين وامتهان الكرامة والاذلال والعزل ومنع اللجنة الدولية من دخول المعتقلات ، الأمر الذي يجب عدم التسليم به أو إغفاله بأي شكل، لا بل يفترض منحة الاهتمام الكافي من قبل الطرف الفلسطيني المفاوض وعبر الوسطاء من أجل وقف الاعتداءات على الاسرى وانتهاك حقوقهم الإنسانية المكفولة باتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، خاصة وان المشهد الواضح على وجوه الإسرائيليين المطلق سراحهم وسراحهن يشير الى تلك المعاملة الإنسانية بينما الاسرى والاسيرات تبدوا على وجوههم ووجههن معالم الانهاك والهزال والكدمات بادية على الكثير منهم نتيجة الضرب أو نتيجة مهاجمتهم من الكلاب البوليسية عند الافراج عنهم.
المسؤولية الوطنية والإنسانية والأخلاقية تتطلب التدخل الجدي ممن فاوض على الصفقة والوسطاء من أجل وقف هذه الجرائم والاعتداءات، والوقوف ثانية امام الموافقة على إبعاد مئات من الأسرى، لأن بقائهم في الوطن هو الأصل وان سلامة وكرامة اسرانا تستحق الدفاع عنها وصيانتها ما دام هناك أوراق قوة تفاوضية بهذا الخصوص